القرطبي
159
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
في كبير وإنه لكبير » . وأخرجه أبو داود الطيالسي عن أبي بكرة قال : « بينما أنا أمشي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعي رجل ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيننا ، إذ أتي على قبرين » فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن صاحبي هذين القبرين ليعذبان الآن في قبورهما فأيكما يأتيني من هذا النخل بعسيب » ؟ فاستبقت أنا وصاحبي فسبقته ، وكسرت من النخل عسيبا . فأتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم فشقّه نصفين من أعلاه ، فوضع على أحدهما نصفا وعلى الآخر نصفا . وقال : « إنه يهون عليهما ما دام من بلولتهما شيء إنهما يعذبان في الغيبة والبول » . قال المؤلف رحمه اللّه : هذا الحديث والذي قبله يدل على أن التخفيف إنما هو بمجرد نصف العسيب ما دام رطبا لا زيادة معه . وقد خرّجه مسلم من حديث جابر الطويل ، وفيه : « فلما انتهى إليّ قال : « يا جابر هل رأيت مقامي » ؟ قلت : نعم يا رسول اللّه . قال : فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا ، فأقبل بهما حتى إذا قمت مقامي ، فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك » قال جابر : « فقمت فأخذت حجرا فكسرته وحسرته فاندلق لي فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا ، ثم أقبلت أجرهما حتى قمت مقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأرسلت غصنا عن يميني ، وغصنا عن يساري ، ثم لحقته فقلت : قد فعلت ذلك يا رسول اللّه » ، فعند ذلك قال : « إني مررت بقبرين يعذّبان فأحببت بشفاعتي أن يرفّه عنهما ، ما دام الغصنان رطبين » . ففي هذا الحديث زيادة على رطوبة الغصن وهي : شفاعته صلى اللّه عليه وسلم ، والذي يظهر لي أنهما قضيتان مختلفتان ، لا قضية واحدة ، كما قال من تكلّم على ذلك ، ويدل عليهما سياق الحديث ، فإن في حديث ابن عباس وأبي بكرة عسيبا واحدا شقّه النبي صلى اللّه عليه وسلم بيده نصفين ، وغرسهما بيده ، وحديث جابر بخلافهما ولم يذكر فيه ما يعذّب بسببه . وقد خرّج أبو داود الطيالسي حديث ابن عباس فقال : حدثنا شعبة ، عن الأعمش عن مجاهد ، عن ابن عباس ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتى على قبرين فقال : « إنهما ليعذبان في غير كبير ، أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس ، وأما الآخر فكان صاحب نميمة » ، ثم دعا بجريدة فشقّها نصفين ، فوضع نصفا على هذا القبر ، ونصفا على هذا القبر . وقال : « عسى أن يخفف عنهما ما دامتا رطبتين » . ثم قيل : يجوز أن يكونا كافرين ، وقوله : « إنهما ليعذبان في غير كبير » يريد بالإضافة إلى الكفر والشرك ، أو ما إن كانا مؤمنين ، فقد أخبرك أنهما يعذبان بشيء كان منهما ليس بكفر ، لكنهما لم يتوبا منه ، وإن كانا كافرين فهما يعذّبان في هذين الذنبين زيادة على عذابهما بكفرهما وتكذيبهما وجميع خطاياهما . وإن يكونا كافرين أظهر واللّه أعلم . فإنهما لو كانا مؤمنين لعلما لقرب العهد بتدافن المسلمين يومئذ . قاله ابن برجان في كتاب « الإرشاد الهادي إلى التوفيق والسداد » .